ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
126
تفسير ست سور
ولا يخفى أنّ جميع هذه الحقائق متلازمة في الوجود ، وصورتها الّتي تظهر فيها في القيامة الكبرى هو الجسر الممدود الّذي لا يمكن لأحد من الناس أن لا يمرّ عليه ، ولا يمكن لأحد منهم الوصول إلى الجنّة إلّا بالمرور عليه ، إلّا أنّ منهم من يمرّ عليه مثل البرق ، ومنهم من يمرّ عليه كعدو الفرس ، ومنهم من يمرّ عليه ماشيا ، ومنهم من يمرّ عليه حبوا ، ومنهم من يمرّ عليه متعلّقا فتأخذ منه النار شيئا ، ومنهم من يسقط فيها في قدمه الأولى ، فقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا « 1 » . وهذا الاختلاف إنّما نشأ من اختلافهم في المعرفة والسلوك في الدار الدنيا ، وقد ورد أنّ الصراط مظلم يسعى الناس على قدر أنوارهم : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 2 » . وفي تنكير « الصراط » إشارة إلى أنّ لكلّ طريقا خاصّا إلى الحقّ على حسب ما أعطاه اللّه من القابليّة والاستعداد ، فإنّ « الطّرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق » « 3 » ، كما روي في بعض الكتب ، فلا يطلب من الأدنى ما يؤاخذ عليه الأعلى ؛ إذ لا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتاها ، ولا يكلّفها إلّا وسعها وبقدر طاقتها ، قال اللّه تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها إلى قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 4 » . وقد فسّر « الماء » بالعلم ، و « الأودية » بالقلوب ، فكلّ مكلّف في السلوك
--> ( 1 ) مريم : 71 . ( 2 ) الملك : 22 . ( 3 ) بحار الأنوار 67 : 137 . ( 4 ) الرعد : 17 .